بسم الله الرحمن الرحيم
الخطبة الأولى
الحمد لله رب العالمين، القائل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فمعاشر المسلمين: إن شعيرة الصلاة من أعظم شعائر الإسلام وأرفعها منزلة، كيف لا يكون ذلك وهي ركن من أركان الإسلام، لا تبرأ ذمة المكلف المستطيع إلا بالإتيان بها، ومما يؤكد أهميتها وعظم شأنها فرضها من الله تعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، إضافة إلى فرضها في حال السلم والحرب والسفر والحضر بل جعلت فيصلًا في انتقال الإنسان من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، وبكل حال فمنزلة الصلاة معلومة مشهورة.
عباد الله: إن مما يتميز به المجتمع الإسلامي: ظاهرة اجتماعهم لأداء صلاة الجماعة، والظواهر الإسلامية كثيرة، لكن ظاهرة الصلاة أبرزها، لكونها تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة.
وإن مما لا شك فيه أن توافد المسلمين زرافات ووحدانًا إلى المساجد، ومن ثم وقوفهم صفوفًا مستقيمة لأداء الصلاة، لا شك ولا ريب أن تلك الظاهرة تبهج النفوس وتشرح الصدور؛ لما فيها من الفوائد التربوية والاجتماعية والنفسية.
فمن ثمار الصلاة وفوائدها: اجتماع المصلين خمس مرات في مكان واحد في كل يوم وليلة يتلاقون جميعًا، فيطمئن بعضهم على بعض ويتفقد بعضهم بعضًا، فهذا يصافح هذا ويطمئن عليه، وآخر يسأل عن أخيه المتغيب، وعسى أن يكون مانعه خيرًا.
يقفون صفًّا واحدًا الغني والفقير والكبير والصغير، لا فوارق بينهم ولا تفاوت، فالمقام مقام عبادة أمام خالقهم ومولاهم وبكل حال فالكلام عن منزلة الصلاة يطول كثيرًا، ولست بصدد الحديث عنها، فقد بسط الكلام فيها علماؤنا ومشايخنا.
وأما الكلام في هذه الجمعة فسيكون عن ظاهرة من الظواهر المتعلقة بالصلاة، وهذه الظاهرة قد تكون قاسمًا مشتركًا بين كثير من المصلين، مع أن كثيرًا من أولئك المصلين لم يلقوا بالًا لغياب تلك الظاهرة أو غياب أكثرها، تلكم الظاهرة هي ظاهرة عدم الخشوع في الصلاة.
معاشر المسلمين: كم نصلي من الفرائض، وكم نصلي من النوافل؟ وكم نصلي من ذوات الأسباب؟ أين أثر الصلاة علينا؟ أين السكينة والروحانية التي تغشى المصلين في صلاته ويظهر أثرها عقب صلاتهم؟ أين تلك المعالم والفضائل؟
يضيق أحدنا ذرعًا إذا تأخر الإمام دقائق معدودة ويبدأ في عد اللحظات والأنفاس مع أن جلوسه في مصلاه مكوث في خير وعلى خير وإلى خير.
يتفقد أحدنا نفسه عند إحساسه بالمرض ويسارع طلبًا في تحصيل الدواء، بل ولا تقر عينه ولا تهدأ نفسه حتى يبرأ من مرضه وعلته وشكواه.
بل ويكون في أثناء رحلة العلاج متفقدًا لنفسه وهل أثّر العلاج فيه؟ وهلم جرًّا من تلك التفقدات وذلك المرض الذي يدل على شدة اهتمامه وبالغ حرصه على إزالة ذلك المرض المعين.
عباد الله: كم تلوثت كثيرًا من الجوارح في بحر الخطايا والآثام؟ وكم قصّر كثير منا؟ وكم سوّفنا وأهملنا؟
أين تأثير الصلاة علينا؟ كم من المسلمين من يخوض في أوحال المعاصي، فإذا نودي إلى الصلاة قام وشارك المصلين صلاتهم حتى إذا ما قضيت الصلاة عاد إلى ما كان عليه من الخطايا والآثام سواء أكانت قولية أو فعلية. فيا عجبًا ممن كان هذا شأنه. أين هو من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾.
أين هو من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. والصلاة من أعظم أنواع ذكر الله تعالى.
أخرج عبد بن حميد عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ قال: الصلاة فيها ثلاث خلال: الإخلاص والخشية وذكر الله. فكل صلاة ليس فيها من هذه الخلال شيء فليست بصلاة، فالإخلاص يأمره بالمعروف والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله هو القرآن يأمره وينهاه.
وعن عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه – قال: (لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة: أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر) وقد روي هذا مرفوعًا وموقوفًا، وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: والموقوف أصح.
وقال ابن كثير أيضًا: الصلاة تشتمل على ترك شيئين: على ترك الفواحش وعلى ترك المنكرات أي مواظبتها تحمل على ترك ذلك.
عباد الله: إن مسألة الخشوع في الصلاة من الأهمية بمكان، كيف لا يكون ذلك، وقد جعلها الله سببًا من أسباب الفلاح كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾.
فالخشوع في الصلاة يجلب لصاحبه فوائد ومنافع كثيرة في الدين والدنيا والآخرة، فيفتح له بإذن الله تعالى أبوابًا من الخير والتوفيق ناهيك عن انشراح صدره وقرة عينه بما يحس به من الراحة النفسية والطمأنينة القلبية، وهذا غيض من فيض من ثمار خشوع العبد في صلاته. وإذا كان ذلك كذلك أليس من التفريط، بل من الحرمان أن لا يتفطن المصلي إلى صلاته ومدى خشوعه فيها، ما موانع عدم خشوعه وكيف الوصول إلى تحصيل الخشوع.
معاشر المسلمين: إن الأولى بكل واحد منا أن يكون حرصه وتفقده لأمور دينه أكثر من أمور دنياه، بل إصلاح أمور دينه سبب في صلاح أمور دنياه وليس العكس.
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
معاشر المسلمين: وبما أن الحديث عن أمر الخشوع في الصلاة، وكيف الطريق إلى تحصيل أسباب الخشوع في الصلاة، فيستحسن في هذا المقام أن يُضرب مثلٌ لتقريب الحال فيقال: لو أن رجلاً اشتكى من نفسه مرضًا ألمّ به، فإن المتبادر بدهيًا أنه سيذهب من فوره إلى الطبيب طلبًا للاستطباب والعافية بإذن الله تعالى.
وبعد أن شخّص الطبيب مرضه، ووصف له علاجه، وبيّن أن ذلك العلاج من أنفع الأدوية لعله مرضه وشكواه.
إلى هذا الحد لا غرابة ولا عجب في وقائع هذا المثل، إنما الغرابة والعجب في عدم تأثر المريض بذلك العلاج إطلاقًا، بل وبقاء مرضه وعلته مصاحبة له.
وهنا يكون التساؤل والإشكال: أين أثر العلاج على ذلك المريض؟ وهل يكمن الخلل في ذات المريض؟ أو في تشخيص الطبيب للمرض؟ أو في طريقة استعمال المريض للعلاج؟
عباد الله: عند طرح تلك التساؤلات وبعد البحث والمشاهدة، علم أن الطبيب كان حاذقًا والدواء كان ناجعًا، إذن فالخلل والعتب في استعمال المريض للدواء وعدم إتقانه لطريقة تناوله.
وبعد هذا المثال تقاس عليه ظاهرة عدم الخشوع في الصلاة فيقال: إن المريض هو المسلم المصلي، والمرض هو عدم خشوعه في صلاته، والمشخص للمرض هي النصوص الشرعية التي فيها التهذيب والتقويم لأمور المسلم في عبادته ومعاملاته وسلوكياته.
شاهد المثال: أنه بذلك القياس المتطابق يكون السبب في عدم الخشوع في الصلاة راجعًا إلى عدم فعله الأسباب الجالبة للخشوع.
وفي تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه من قلب لا يخشع؛ دليل على أهمية الخشوع في الصلاة، فليحرص المسلم على تأدية الصلاة بخشوع وطمأنينة، فهو لا يدري هل يعيش بعدها أم لا.
الله نسأل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، اللهم ارزقنا خشوع القلب والأبدان، اللهم يا ذا الأسماء الحسنى ويا ذا الصفات العلى يا من قال: ادعوني أستجب لكم، اللهم وفقنا لصالح القول والعمل في السر والعلن، اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله الصحب والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم انصر عبادك وأولياءك المتقين، اللهم وفق كلمة المسلمين إلى ما فيه الخير والصلاح، واجمع كلمة قادة المسلمين على الخير والهدى والرشاد.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله يذكركم واشكروه على آلائه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.